lemaghrib.com المغرب والمغاربة
Connect with us

في الواجهة

هذه ليست جريدة إلكترونية

من أكبر الخرافات التي يصدقها الناس منذ قرون وعبر القارات وهم “حرية الصحافة”. لا يوجد شيء اسمه حرية الصحافة. هناك صحفيون يكتبون حسب الخط التحريري الذي يحدده صاحب الجريدة. والقاعدة المسكوت عنها، والتي يعرفها كل صحفيي العالم، أن حرية الصحفي يحددها من يدفع ثمن الورق والمداد وأجر الصحفي نهاية الشهر. نقطة إلى السطر.

Published

on

جريدة إلكترونية

هذه ليست جريدة إلكترونية

ليست فكرة بوابة lemaghrib.com أن نضيف موقعاً جديداً إلى زحام المواقع، ولا أن نرفع شعاراً آخر في سوق الأخبار السريعة، ولا أن ننافس على سبقٍ عابر ينساه الناس بعد ساعة. لن تجد هنا “عاجل” و“حصري” و“مصادرنا الخاصة”، حتى لو كانت لدينا فعلاً مصادر مطلعة وشخصيات قريبة من مراكز القرار، فخطنا التحريري لن يقوم على سباق السرعة، بل على سؤال أبسط وأعمق: لماذا وقع الخبر؟ كيف وقع؟ من يقف خلفه؟ متى بدأ؟ وما هي تداعياته؟

نحن لسنا هنا لنكون رقماً إضافياً في لائحة الصحافة الإلكترونية، لأن هذه البوابة ليست أصلاً جريدة إلكترونية، ولن تكون أبداً جريدة بالمعنى المتعارف عليه. جئنا لنفتح باباً: باباً للكتابة، للنقاش، للسؤال، للاختلاف، وللنظر إلى المغرب كما هو، كما كان، وكما نريده أن يكون. لا أحد، باستثناء القانون طبعاً، سيحدد لنا خطنا التحريري، لسبب بسيط: أن هذا مشروع تشاركي نفعي غير ربحي. لا نبيع شيئاً، ولا ننتظر دعماً من وزير لنطبل له، ولا عندنا مكاتب ولا موظفين ولا أجور سندفعها آخر الشهر. يعني بالعربية تاعرابت: لسنا لا للبيع ولا للشراء ولا للكراء.

لماذا نكتب إذن؟ ولمن؟

هذا المنبر أسسه أشخاص مختلفون في العمر، والجنس، والخبرة، والمكان، والمسار. فيهم من يعيش داخل المغرب، وفيهم من يقيم خارجه. فيهم من جاء من الصحافة، ومن الثقافة، ومن المهن الحرة، ومن السياسة، ومن مجالات متعددة. قد لا نتشابه في أشياء كثيرة، وقد لا نرى كل القضايا من الزاوية نفسها، لكن ما يجمعنا واضح: تامغرابيت، الدم المغربي، الإيمان بالمغربية، والاقتناع بأن هذا الوطن يستحق خطاباً أرقى من الشتيمة والتخوين، ومن “أنت زلايجي” و“أنت صهيوني”، علماً أن الزليج فن راقٍ لا أفهم كيف أصبح شتيمة في زمن الانحطاط، وأن كثيراً ممن يرمون الناس بالصهيونية لا يعرفون معناها ولا حتى أين يقع جبل صهيون في الخريطة. المغرب يستحق نقاش أفكار، لا المعاطية ديال الطيابات فالحمام.

تعبنا من منصات تُعلّم الناس الصراخ أكثر مما تُعلّمهم التفكير. تعبنا من خوارزميات تويتر وفيسبوك ويوتيوب التي تقرر لنا ما يجب أن نعلمه ومتى وكيف وما يجب أن نغضب من أجله هذا الصباح، وما يجب أن ننساه هذا المساء لأنه سقط من “الطوندونس”. مصير وطن، وأمة، وأفكار أجيال، لا يمكن أن يظل رهينة أرقام المشاهدات « المؤتشيرين »، وإشهارات تعاونية العسل الحر، وعروض زراعة الشعر في تركيا.

تعبنا من وطن يتحول في كل نقاش إلى ملعب للشتائم، ومن قضايا كبيرة تُذبح بسكين السرعة، ومن تاريخ عظيم تتمنى أمم لو كان لها عُشره، ثم يتم تقزيمه بفعل فاعل. سنكتب كثيراً عن تاريخنا اللي ما قراوناش، وعن مقررات التاريخ التي ارتُكبت فيها مجازر في حق الذاكرة المغربية، ولا تزال إلى اليوم تربي أجيالاً على الخنوع وتقديس الأجنبي.

المغرب ليس ماضياً فقط. المغرب هو أيضاً ذلك الشاب الذي يسأل: ماذا أفعل هنا؟ ولماذا لا أجد عمل يوافق مؤهلاتي؟ وتلك الأسرة التي لا تستطيع دفع فاتورة العلاج. وذلك الفلاح الذي ينظر إلى السماء ولا يعرف هل سيأتي المطر. وتلك الطبيبة التي تغادر إلى فرنسا لأنها لم تجد في بلدها ما يليق بتعبها. وذلك الأستاذ الذي لا يزال يدخل القسم وفي قلبه شيء من الرسالة رغم كل الانكسارات. وذلك المغربي في مونتريال، أو بروكسيل، أو الدوحة، أو أبيدجان، أو باريس، أو مدريد، الذي يضحك بلغة البلد الذي يعيش فيه، ثم يعود في الليل إلى الدارجة، وإلى الكسكس، وإلى أغنية قديمة، وإلى حنين لا يشرحه لأحد. هؤلاء أيضاً هم المغرب.

المغرب أولا.. ولا غالب إلا الله..

نحن نحب هذا البلد. نقولها بلا اعتذار. نحبه لا لأن كل شيء فيه كامل، بل لأننا نعرف أنه يستحق أفضل مما يُقال عنه، وأفضل مما يُفعل به أحياناً، وأفضل مما يكتبه عنه من لا يعرف رائحته، ولا ذاكرته، ولا قلقه، ولا كبرياءه الصامت.

نحب المغرب حين ينتصر، ونحبه أيضاً حين يخطئ، لكننا لا نصمت عن الخطأ. نصفق عندما يكون التصفيق مستحقاً، وننتقد عندما يصبح الصمت خيانة للفكرة التي نؤمن بها. لا نريد صحافة تسكن في حضن السلطة، ولا صحافة تبني مجدها على كراهية البلد. كلاهما رخيص، وكلاهما يُهين القارئ، وكلاهما يعيش بدعم وزارة الثقافة. فهم تسطى.

لهذا لن تكون صفحاتنا حكراً على السياسيين والمحللين وأصحاب الألقاب الكبيرة. نعم، سنكتب في الجيوسياسة. وسنحلل الاقتصاد. وسنناقش قرارات الدولة. وسنفتح ملفات التعليم والصحة والعدالة والهجرة والطاقة والماء والدبلوماسية وغيرها. لكننا سنفتح المكان نفسه لمن يريد أن يكتب عن تجربة مغربي في الغربة، أو عن حرفة كادت تنقرض، أو عن قرية لا يعرفها الإعلام، أو عن دواء يجب أن يفهمه الناس، أو عن أبسط الأشياء التي تجعل الحياة اليومية أقل ارتباكاً.

مقال يشرح للناس كيف يختارون نوافذ الألومنيوم الجيدة ليس أقل احتراماً عندنا من مقال عن توازنات الشرق الأوسط. ونص يكتبه ميكانيكي عن طريقة اختيار زيت المحرك قد ينفع الناس أكثر من خطبة سياسية طويلة يتهجاها برلماني شناق من ورقة كتبوها له دون تشكيل. وشهادة مهاجر مغربي عن وحدته في كندا قد تقول عن الوطن أكثر مما تقوله مئة ندوة رسمية عن تلك الجالية نفسها.

المعرفة ليست كلها في الجامعات، والحقيقة لا تسكن دائماً في المكاتب المكيفة، والكتابة ليست امتيازاً طبقياً. كل مغربي يعرف شيئاً، عاش شيئاً، فهم شيئاً، يستطيع أن يضيء زاوية من هذا البلد.

اكتبوا يرحمكم الله.

نحن لا نطلب من الناس أن يتشابهوا. لا نريد جوقة تردد الصوت نفسه، ولا شيخات “قولو العام زين”. لا نريد مقالات ملساء، ميتة، مكتوبة كي لا تغضب أحداً. نريد كتابة حية، حرة، مسؤولة، لها عصب، ولها موقف، ولها رائحة أصحابها.

اكتبوا من مواقعكم، من قناعاتكم، من خبراتكم، من قراكم ومدنكم ومنافيكم ومكاتبكم وورشاتكم ومطابخكم وعياداتكم ومدرجاتكم وملاعبكم. اكتبوا عن المغرب الذي تعرفونه. ليس ضرورياً أن تكونوا كتّاباً محترفين كي تملكوا شيئاً يستحق أن يُقال. المهم أن تكونوا صادقين، وأن تحترموا القارئ، وأن لا تكتبوا ما لا تعرفون، وأن لا تحولوا الاختلاف إلى حقد.

سنكتب عن السياسة دون أن نتحول إلى حزب (والعياذ بالله). وعن المجتمع دون أن نحتقر الناس. وعن الدين دون متاجرة فيه. وعن الثقافة دون تعالٍ. وعن الطب بلغة يفهمها المواطن. وعن التكنولوجيا دون انبهار أعمى. وعن الرياضة كجزء من وجدان الناس لا كمجرد نتائج. وعن الفن والتقاليد والطبخ والمعمار واللباس والحكايات الشعبية باعتبارها ليست زينة على هامش الوطن، بل جزءاً من روحه.

سنفتح ملفات صعبة، وسنطرح أسئلة مزعجة، وسنعود إلى قضايا نسيها الجميع لأنها لا تصنع “الترند”، وسنحاول أن نعطي للكلام وقته، وللفكرة حقها، وللقارئ مكانته.

لسنا محايدين تجاه المغرب. نحن منحازون إليه، بل ومتعصبون له، ونفتخر بذلك. لكننا لا نخلط بين الانحياز للوطن والانحياز لكل من يتحدث باسمه، ولا بين حب الدولة وتبرير أخطاء الإدارة، ولا بين احترام المؤسسات وتقديس الأشخاص، ولا بين الدفاع عن الوطن وإلغاء حق المواطن في السؤال وحقه في المعلومة وطلب المساءلة.

البلد الذي لا يُسأل لا يتقدم. والحب الذي لا يرى العيوب يتحول إلى تخدير. والنقد الذي لا يعرف المحبة يتحول إلى كراهية. نحن نريد الطريق الأصعب: أن نحب وننتقد في الوقت نفسه، أن ندافع ونحاسب، أن نفتخر ونسأل، أن نغضب دون أن نحرق البيت، وأن نصفق دون أن نفقد كرامة العقل.

من أراد أن يدخل هذا البيت كاتباً، فالباب مفتوح. ومن أراد أن يدخل قارئاً، فمرحباً به. ومن أراد أن يختلف معنا، فليختلف بكرامة. ومن أراد أن يضيف، فليضف. ومن أراد أن يصحح، فليصحح. ومن أراد أن يحكي عن المغرب الذي يعرفه، وعن تجربته في الحياة أو ميدان تخصصه أو عن منطقته أو قبيلته أو دواره الذي يعاني التهميش في المغرب المنسي، فليبدأ هو بأن يعرفنا عليه. فهذا المكان له.

نحن لا نكتب لأننا نملك الأجوبة. نكتب لأننا نضع الأسئلة التي تستحق مكاناً أفضل من جدار عابر في شبكة اجتماعية. نكتب لأن المغرب يستحق أن يُقرأ ببطء، وأن يُناقش بعمق، وأن يُحب بوعي، وأن يُروى بأصوات أبنائه، لا بأصوات من يكتفون بالنظر إليه من بعيد.

لهذا بدأنا. لا لنضيف موقعاً آخر، بل لنفتح باباً آخر للمغرب. ومن هذا الباب، نريد أن يدخل الجميع. وبعد حين سنفتح بوابات أخرى بلغات أخرى.

وأكرر: هذه ليست جريدة إلكترونية… الدار داركم… ما تحشموش.