الأخبار
المعارضة في المغرب: صوت بلا أسنان أم بناء مؤسسي في طور التشكّل؟
حين يذهب ثلاثة من أربعة ناخبين مغاربة إلى بيوتهم لا إلى صناديق الاقتراع — كما كشفته نتائج انتخابات 2016 حين لم تتجاوز نسبة المشاركة 43 بالمئة — فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بمن فاز ومن خسر. السؤال الأعمق هو: لماذا اختار هؤلاء الغياب؟ وهل يُعبّر ذلك عن ثقة أم عن يأس؟
المعارضة المغربية تتمحور في هذا الجدل بطريقة لافتة. إنها تعاني من مفارقة صارخة: حضور برلماني رسمي مُعترف به، ومع ذلك ثقل تأثيري يبدو أخفّ مما تستوجبه رسالتها الدستورية.
صورة في المرآة
بعد انتخابات 2021، تشكّلت حكومة ائتلاف واسع بقيادة حزب التجمع الوطني للأحرار. ووجدت المعارضة — ممثّلةً أساسًا في الاستقلال والفيدرالية اليسارية وحركة التوحيد والإصلاح — نفسها في موقع الرقيب الدستوري. المشكلة ليست في المكان، بل في الأداء داخله.
يُلاحظ المحللون أن ثمّة قصورًا في جودة الاقتراحات التشريعية البديلة. المعارضة الحقيقية لا تقتصر على الرفض والاعتراض — بل تُقدّم سياسات بديلة، وتُصيغ برامج قابلة للتطبيق، وتُحرج الحكومة بالأرقام قبل أن تُحرجها بالخطاب. وهنا تكمن الثغرة.
الباحثة السياسية ليلى رحيمي من المعهد المغربي للعلاقات الدولية ترى أن « المشكلة الجوهرية هي أن كثيرًا من أحزاب المعارضة لم تستوعب بعد تحوّل البيئة السياسية في ظل الرقمنة وتغيّر أولويات الناخب الشاب ». جيل ما بعد الربيع العربي لا يُقنعه الخطاب الأيديولوجي، ولا يثق في الهياكل الحزبية التقليدية التي يراها بعيدة عن همومه اليومية.
أزمة الثقة: البُعد الأعمق
تكشف استطلاعات مؤسسة « Arab Barometer » أن نسبة الشباب المغربي الذين يثقون في الأحزاب السياسية لا تتجاوز 13 بالمئة. هذا رقم كارثي — لا بوصفه حكمًا على حزب بعينه، بل بوصفه تشخيصًا لأزمة المنظومة برمّتها. حين يقول الشاب إنه يثق في السلطة المحلية أكثر مما يثق في حزب المعارضة الذي يرفع شعار محاربة الفساد، فثمّة مشكلة في الرسالة قبل أن تكون مشكلة في الناخب.
يُضاف إلى ذلك ظاهرة تآكل الكوادر الشابة داخل الأحزاب. الأذكياء والطموحون من الجيل الجديد يجدون في ريادة الأعمال أو الجمعيات المدنية أو الفضاء الرقمي بديلاً أكثر فاعلية من الانتظار في طابور هيئة حزبية شيخها خمسون عامًا.
شروط التجديد الممكن
يرى الباحث المغربي عبد الرحيم المنار الإسماعيلي أن تجديد الحياة الحزبية يمرّ عبر ثلاثة شروط متلازمة: أولها اعتماد الديمقراطية الداخلية الفعلية التي تُفرز قيادات جديدة لا تتوارثها عائلات. وثانيها بناء قاعدة برنامجية محلية — أي ربط الحزب بمشكلات المدينة والقرية لا بالأيديولوجيا الكبرى. وثالثها قبول فكرة أن المعارضة في عصر التواصل الاجتماعي تُبنى أيضًا خارج البرلمان.
المغرب الذي يقترب من استضافة كأس العالم 2030 بأجندة تنموية طموحة يحتاج — ربما أكثر من أي وقت — إلى معارضة قادرة على المساءلة الفعلية. ليس لأن الحكومة دائمًا مُخطئة، بل لأن السلطة بلا رقيب تميل — وهذا قانون التاريخ، لا تهمة — إلى الاكتفاء بما تعرفه وتجاهل ما لا يُريحها.
📚 المصادر: