إقتصاد
الهيدروجين الأخضر: رهان المغرب الجديد لقيادة الثورة الطاقية العالمية
بفضل توفره على موارد شمسية وريحية استثنائية، يتموقع المغرب كفاعل رئيسي في إنتاج الهيدروجين الأخضر. هذا « الوقود المستقبلي » يفتح آفاقاً علمية واقتصادية مذهلة للمملكة، حيث تتسابق كبريات الشركات العالمية للاستثمار في مشاريع الابتكار الطاقي التي ستجعل من المغرب قطباً دولياً في مجال الطاقة النظيفة والمستدامة.
في خضم حروب الطاقة التي تعيد رسم خرائط النفوذ العالمي، يُقدّم المغرب أوراقه بهدوء لكن بثقة. البلد الذي ظل لعقود يستورد ما يزيد عن تسعين بالمئة من احتياجاته الطاقية، بات اليوم يُفاوض كبريات الشركات متعددة الجنسيات بوصفه شريكاً مرغوباً فيه، لا مجرد سوق استهلاكية.
السبب؟ الهيدروجين الأخضر. أو بشكل أدق، الرهان الجيوطاقي الذي أطلقه الملك محمد السادس شخصياً منذ خطابه في يوليوز 2023، حيث دعا الحكومة صراحةً إلى الانخراط السريع والنوعي في هذا القطاع الواعد.
ما الذي يمتلكه المغرب فعلاً؟
ليس الأمر ضرباً من المزايدة السياسية. المغرب يمتلك موارد موضوعية نادرة الجمع. تستفيد البلاد من معدل إشعاع شمسي يبلغ نحو 3000 ساعة سنوياً، مع قدرة إنتاجية تصل إلى 6.5 كيلوواط/ساعة لكل متر مربع يومياً، فضلاً عن إمكانات ريحية تقدَّر بـ 25000 ميغاواط. هذا المزيج النادر من الطاقتين الشمسية والريحية هو بالذات ما يجعل الهيدروجين الأخضر المنتَج مغربياً منافساً من حيث التكلفة على الصعيد العالمي.
يرى خبراء قطاع الطاقة أن المغرب يسجل إمكانات استثنائية تبلغ 49000 تيراواط/ساعة سنوياً للطاقة الشمسية و11500 تيراواط/ساعة للطاقة الريحية. أرقام تضع المملكة في مصافّ الدول الست الأكثر جاذبية على المستوى العالمي في قطاع تحويل الطاقة الكهربائية إلى منتجات صناعية متعددة.
« عرض المغرب » : من الخطاب إلى العقود
في مارس 2024، أطلقت الحكومة المغربية « عرض المغرب » للهيدروجين الأخضر، وهو منظومة حوافز وضمانات موجّهة للمستثمرين تغطي سلسلة القيمة بكاملها. خُصّص مليون هكتار من الأراضي لمشاريع الهيدروجين الأخضر، يُتاح منها في مرحلة أولى 300 ألف هكتار أمام المستثمرين المحليين والأجانب.
لم تمرّ سنة حتى بدأت النتائج تتجلى. في السادس من مارس 2025، ترأّس رئيس الحكومة عزيز أخنوش اجتماعاً لجنة التوجيه المكلفة بـ »عرض المغرب »، انتهى باختيار خمسة مستثمرين وطنيين وعالميين لإنجاز ستة مشاريع في ثلاث جهات جنوبية بكلفة إجمالية تبلغ 319 مليار درهم.
يضم التكتل الفائز شركات مغربية وصينية وإماراتية وسعودية وأمريكية وإسبانية وألمانية. هذا التنوع في الجنسيات ليس صدفة؛ إنه مؤشر صريح على أن المغرب بات نقطة تقاطع مصالح استراتيجية، لا مجرد وجهة استثمار اعتيادية.
تجدر الإشارة إلى أن هذه المشاريع الستة تأتي لتضاف إلى اتفاقيتين أُبرمتا في أكتوبر 2024 بحضور الملك محمد السادس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إحداهما مع شركة توتال إنيرجيز الفرنسية، والأخرى بين المكتب الشريف للفوسفاط وشركة إنجي، التي تشمل بدورها مشروعاً في الهيدروجين الأخضر.
الأرقام التي تختصر الرهان
أفضت المعطيات الرسمية إلى صورة طموحة: 37 مليار دولار من الاستثمارات، 37 ألف فرصة عمل في مرحلة الإنجاز و10 آلاف أخرى في طور الاستغلال، مع تعبئة 20 غيغاواط من الطاقات المتجددة منها 10 غيغاواط مخصصة لتشغيل أجهزة التحليل الكهربائي للماء. الهدف الإنتاجي المُعلَن: 8 ملايين طن من الهيدروجين الأخضر ومشتقاته سنوياً.
وفق التوقعات، قد يُغطي المغرب أكثر من أربعة بالمئة من الطلب العالمي على الهيدروجين بحلول 2030. في سياق سوق عالمي يُقدَّر بمئات المليارات من الدولارات، هذه الحصة تعني نقلة نوعية في موقع المغرب داخل النظام الطاقي العالمي.
الموقع الجغرافي: ورقة غير مرئية
يتحدث كثيرون عن الشمس والريح، لكن قلة من يتوقفون عند العامل الجغرافي. المغرب على مسافة ساعات بحرية من الشواطئ الأوروبية، وهي قارة تسابق الزمن للتحرر من الغاز الروسي والهيدروكربونات الخليجية. تُعزز قرب المغرب من أوروبا وشبكة الربط الطاقي القائمة بينهما إمكانات التصدير بشكل كبير.
في هذا الإطار، لا يُباع المغرب طاقةً فحسب، بل يبيع أيضاً أمناً طاقياً لشركاء يعيشون هاجس التبعية. هذه ورقة ضغط ناعم لن تُذاع على الملأ، لكنها حاضرة في كل مفاوضة.
حدود الحماس وأسئلة مشروعة
الصورة الوردية تستحق بعض التدقيق. الهيدروجين الأخضر لا يزال مكلفاً مقارنة بنظيره الرمادي المنتَج من الغاز الطبيعي. الكلفة اللوجستية لنقله، سواء في صورة سائلة أو عبر مشتق الأمونياك، تظل تحدياً هندسياً واقتصادياً لم يُحسم بعد.
أكد باحثون مغاربة في قطاع الطاقة أن أثر الهيدروجين الأخضر لن يكون ملموساً قبل المدى المتوسط والبعيد، مما يستوجب الإسراع في تهيئة البيئة التشريعية والتقنية لاستقطاب المستثمرين والمطورين والصناعيين.
التحدي إذن ليس في امتلاك الموارد، بل في المنظومة المحيطة: التدريب، الاستيعاب الصناعي المحلي، والتفاوض على نقل التكنولوجيا لا الاكتفاء بدور مُنتِج خام.
ويبقى الرهان مفتوحا..
المغرب لا يلعب مجرد ورقة طاقية. هو يُعيد التفاوض على موقعه في التقسيم الدولي للعمل. بلد كان يستورد الطاقة بات يتحدث عن تصديرها، بعد تحويلها، إلى أكبر الاقتصادات العالمية. الرهان كبير والمسار طويل. لكن ما يبدو واضحاً هو أن المملكة اتخذت قراراً استراتيجياً لا رجعة فيه: مستقبلها الطاقي لن يُبنى على باطن الأرض، بل على شمسها وريحها وإرادتها السياسية