إقتصاد
الفلاحة في المغرب: تصدير المياه لاستيراد الهشاشة
تحقيق مثير حول الفلاحة في المغرب: كيف يستنزف تصدير الخضر والمحاصيل المائية مواردنا الشحيحة؟ اكتشف ثمن « تصدير الماء » على مائدة المواطن ومستقبل أمننا الغذائي.
يحتل المغرب مراتب متقدمة في تصدير الطماطم والحوامض والفراولة والتوت نحو أوروبا وأمريكا الشمالية وآسيا. أرقام بالملايير تُستحضر في كل منتدى اقتصادي وكل تقرير حكومي كدليل ساطع على نجاح القطاع الفلاحي وثمار السياسات الزراعية المتبعة. لكن خلف هذه الأرقام اللامعة وهذه الصور الجميلة لحقول خضراء تمتد تحت شمس المغرب هناك أسئلة عميقة يتفادى كثيرون طرحها بصوت عالٍ، وكأن مجرد طرحها يُعدّ تشكيكاً في إنجازات لا تُمس أو هجوماً على سياسات لا تُنتقد.
أزمة المياه وتحديات الفلاحة في المغرب: هل نقترب من نقطة اللاعودة؟
الفلاحة تستهلك قرابة ثمانين بالمئة من الموارد المائية للمغرب وفق أرقام وزارة التجهيز والماء. في بلد يعاني من شح متزايد ومقلق في التساقطات وتراجع ملحوظ ومتسارع في منسوب السدود وجفاف يضرب بعنف مناطق كانت تُعدّ من أخصب الأراضي وأوفرها ماءً، يطرح هذا الرقم تساؤلاً جوهرياً حارقاً لا يمكن الهروب منه: هل نصدّر في الحقيقة خضرنا وفواكهنا إلى أسواق أوروبا، أم أننا نصدّر مياهنا الشحيحة المهدَّدة في كيس من البلاستيك الشفاف؟

زراعة الأفوكا التي انتشرت بسرعة مذهلة في مناطق كسوس وتارودانت وسوس ماسة — حيث تحتاج كل شجرة مئات اللترات من الماء يومياً في أرض تعاني أصلاً من العطش وتنوء تحت وطأة الجفاف باتت محل جدل حقيقي وواسع لا يمكن إسكاته بتصريح رسمي لوزير أو رقم تصديري. الفلاح يبحث عن مردودية مشروعة يستحقها، والمستثمر يبحث عن ربح مفهوم لا يُجرَّم عليه. لكن الفاتورة الحقيقية الثقيلة لهذه الخيارات الزراعية ستسددها أجيال لم تُولد بعد من ثروة مائية استُنزفت قبل أوانها.
الفلاح الصغير — الغائب الحاضر
أحدث مخطط المغرب الأخضر، ثم استراتيجية الجيل الأخضر من بعده، طفرة حقيقية وملموسة في البنية التحتية الفلاحية من سدود وقنوات ري وطرق ريفية ومراكز تبريد تعاونيات إنتاج، لا جدال في ذلك ولا إنكار لمن يرى بعيون مفتوحة. لكن الفلاحين الصغار وهم الأغلبية الصامتة التي تعمل في صمت وتنتج في صبر في هذا القطاع يشكون بمرارة حقيقية من أنهم وجدوا أنفسهم على هامش هذا النمو البرّاق ولم يلمسوا منه ما يكفي.
أراضٍ جماعية تاريخية أُعيد توجيهها بقرارات فوقية نحو مشاريع كبرى تخدم مستثمرين من أصحاب الشكارة أو من الخارج. ومسالك التسويق الحديثة تبقى حكراً عملياً على من يملك إمكانيات التبريد والشحن والمخازن الكبيرة والعلاقات مع وكلاء التصدير. أما الفلاح الذي يزرع هكتارين أو ثلاثة فيبيع لوسيط هو أقرب للشناق يدفع له ما يشاء وقتما يشاء.
في الجنوب الشرقي وواحات درعة وتافيلالت، هناك فلاحون يزرعون التمور منذ أجداد أجدادهم على أرض يعرفون كل شبر فيها، يحملون في أصابعهم خبرة قرون في رعاية النخيل والتعامل مع تقلبات الطبيعة. لكنهم يبيعون اليوم لوسطاء بثمن زهيد لا يعكس لا الجهد ولا الجودة، بينما تصل تلك التمور الأصيلة إلى رفوف متاجر أوروبية وخليجية فاخرة بعشرة أضعاف السعر على الأقل والمواطن المغربي يستهلك تمور مستوردة في غالب الأحيان لا يعلم مصدرها . المفارقة صارخة ومؤلمة وتبدو أحياناً وكأنها مقصودة.

المائدة المغربية في خطر: عندما يصبح « تصدير الماء » غلاءً في الأسواق المحلية
إن المفارقة الصارخة في واقع الفلاحة في المغرب اليوم تتجلى في قفة المواطن البسيط؛ فبينما تتباهى الأرقام الرسمية بتحطيم أرقام قياسية في تصدير الطماطم والأفوكا، يجد المستهلك المغربي نفسه أمام أسعار ملتهبة في الأسواق الشعبية. هذا النموذج الذي يمنح الأولوية للأسواق الأوروبية والخليجية يستنزف ليس فقط المياه، بل والقدرة الشرائية للمغاربة، حيث يتم توجيه أجود المنتجات للخارج، تاركاً السوق الوطنية تعاني من ندرة العرض وارتفاع التكاليف، وهو ما يحول نعمة الإنتاج إلى نقمة غلاء يومي.
الأمن الغذائي المفقود بين الأرباح السريعة والاستدامة
بعيداً عن منطق الربح السريع الذي يحققه كبار المنعشين الفلاحيين، يطرح استمرار هذا النهج في الفلاحة في المغرب تساؤلات حارقة حول السيادة الغذائية للمملكة في ظل توالي سنوات الجفاف. إن رهن مستقبلنا المائي بمحاصيل تستهلك آلاف اللترات من أجل « عملة صعبة » لا يستفيد منها الفلاح الصغير، هو مقامرة غير محسوبة العواقب. فبدون مراجعة جذرية تعيد التوازن بين التصدير والاستهلاك الداخلي، سنصل حتماً إلى مرحلة نستورد فيها بصلنا وطماطمنا بأسعار عالمية، بعدما نكون قد أفرغنا سدودنا وفرشنا المائية من أجل إرضاء موائد الآخرين.
نحو فلاحة تُنصف الفلاح
التحول الفلاحي الحقيقي والعميق لن يُقاس فقط بحجم الصادرات أو عدد الهكتارات المرويّة أو عدد وحدات التبريد المُنشأة. سيُقاس في نهاية المطاف بمدى قدرة الفلاح المغربي البسيط الذي يعمل تحت الشمس كل يوم على العيش بكرامة حقيقية من أرضه التي توارثها جيلاً بعد جيل. وسيُقاس بمدى استدامة الموارد الطبيعية خاصة الماء للأجيال القادمة التي لا صوت لها في القرارات المتخذة اليوم. هذا يحتاج مخطط من نوع آخر يكون فيه الفلاح هو الهدف وليس الوسيلة لتحقيق أرقام وإحصائيات. وخطاب الملك الذي دعا فيه لخلق طبقة متوسطة في العالم القروي لا يزال حبرا على ورق في انتظار حكومة تنزله على أرض الواقع..