lemaghrib.com المغرب والمغاربة
Connect with us

مقالات رأي

أفريقيا تتحرر — لكن من ماذا بالضبط وإلى أين؟

Published

on

أفريقيا تتحرر

موجة الانقلابات العسكرية المتتالية التي اجتاحت دول منطقة الساحل الأفريقي في السنوات الأخيرة — مالي وبوركينا فاسو والنيجر وغينيا وغيرها — دفعت المحللين الغربيين والمؤسسات الدولية إلى الحديث بقلق مكشوف عن « انحسار الديمقراطية » و »موجة الاستبداد العسكري » التي تهدد الاستقرار الإقليمي وتُعرقل مسار التنمية. لكن هذا التوصيف، رغم دقته من زاوية إجرائية شكلية، يُخفي قراءة أعمق وأكثر إزعاجاً لمن يريد فهم ما يجري فعلاً في تلك الأرض الواسعة.

غضب حقيقي وعميق خلف المدافع وخطابات الضباط

لا يمكن بأي منطق اختزال هذه الانقلابات المتتالية في مجرد طموحات شخصية لضباط يريدون السلطة والنفوذ. خلف كل انقلاب من هذه الانقلابات قاعدة شعبية واسعة — بعضها حاشدة مدهشة الحجم — خرجت إلى الشوارع ترفع أعلام روسيا بحماسة وتُحرق أعلام فرنسا بغضب. هذه المشاعر الجارفة لم تُصنعها موسكو من العدم ولم تستوردها من الخارج — هي غضب إنساني حقيقي متراكم لعقود طويلة من تدخل سياسي واقتصادي ممنهج احتفظت فيه فرنسا بنفوذ عميق في مستعمراتها السابقة بطرق غير رسمية لكنها بالغة الفاعلية والحضور: عملة الفرنك المرتبطة بباريس، والقواعد العسكرية الدائمة، والشركات متعددة الجنسيات التي تُديرها عائلات تتوارث العلاقات مع الإليزيه، والقادة الذين كثيراً ما تشكّلت قناعاتهم في باريس قبل أن يحكموا في باماكو أو واغادوغو أو نيامي.

روسيا والصين والخليج — بديل حقيقي أم فخ جديد بأوجه مألوفة؟

من يملأ الفراغ الهائل الذي تتركه فرنسا وتشغله إلى حد ما الولايات المتحدة؟ روسيا، عبر مجموعة فاغنر ثم خلفائها من مجموعات المرتزقة بأسماء مختلفة، تُقدّم نفسها شريكاً أمنياً عملياً فورياً يحلّ المشاكل الأمنية دون شروط ديمقراطية مُزعجة أو محاضرات في حقوق الإنسان. والصين تبني الطرق والموانئ والسدود والمستشفيات بسرعة ملحوظة وصمت مقصود لا يُزعج أحداً. وبعض دول الخليج تُوفّر تمويلاً دينياً وإنمائياً يترك آثاره الاجتماعية المعقدة.

السؤال الذي يطرحه المؤرخون والمحللون الأكثر حذراً هو: هل هذا تحرر حقيقي من قيود الماضي أم استبدال استعمار قديم مُتآكل بآخر جديد أكثر صرامة في بعض جوانبه وأقل خجلاً في أهدافه؟ التاريخ يُعلّمنا دروساً قاسية بأن الاستعمار لا يأتي دائماً بنفس الوجه ولا بنفس اللغة. الذي يأتي اليوم يعرف كيف يتكلم بلغة « الشراكة المتكافئة » و »احترام السيادة » — لكنه يعرف أيضاً كيف يضع يده بهدوء على الذهب واليورانيوم والنفط والمياه الجوفية.

أفريقيا في مرحلة تحوّل وإعادة تشكيل عميق ومؤلم أحياناً. الأجيال الجديدة التي تملأ تلك الشوارع وترفع تلك الأعلام تريد شيئاً مختلفاً حقاً — لكن الطريق الطويل الشاق من الغضب المشروع إلى السيادة الحقيقية الكاملة محفوف بمنعطفات خطيرة وامتحانات قاسية لا تغفر الارتجال. والمتفرجون الدوليون يراقبون بعيون حاسبة باردة لا بقلوب سخية دافئة.