سياسة
إرتفاع الأسعار: عجز الحكومات وقوانين الشناقة
هناك لحظة يعرفها كل مغربي يذهب إلى السوق، تلك اللحظة التي يقف فيها أمام الخضار وهو يحسب في صمت، لا يبحث عن الأجود ولا عن الأطيب، بل يبحث عما يكفيه هو وعائلته. تلك النظرة الحاسبة التي أصبحت علامة مسجلة على وجوه المغاربة في الأسواق الشعبية من الدار البيضاء إلى مراكش ومن فاس إلى أكادير. نظرة لا تخطئها عين من يعرف ما يعنيه الضغط الاقتصادي على جسد أسرة بأكملها. الحقيقة التي تظل معلّقة بين أرقام الحكومة التي لا يفهمها أحد ووقائع الحياة اليومية هي هذه: التضخم الغذائي في المغرب ليس موجة، بل هو تشوّه هيكلي يضرب القدرة الشرائية في صميمها منذ سنوات.
هناك لحظة يعرفها كل مغربي يذهب إلى السوق، تلك اللحظة التي يقف فيها أمام الخضار وهو يحسب في صمت، لا يبحث عن الأجود ولا عن الأطيب، بل يبحث عما يكفيه هو وعائلته. تلك النظرة الحاسبة التي أصبحت علامة مسجلة على وجوه المغاربة في الأسواق الشعبية من الدار البيضاء إلى مراكش ومن فاس إلى أكادير. نظرة لا تخطئها عين من يعرف ما يعنيه الضغط الاقتصادي على جسد أسرة بأكملها. الحقيقة التي تظل معلّقة بين أرقام الحكومة التي لا يفهمها أحد ووقائع الحياة اليومية هي هذه: التضخم الغذائي في المغرب ليس موجة، بل هو تشوّه هيكلي يضرب القدرة الشرائية في صميمها منذ سنوات.
عشر سنوات من التآكل الصامت
إذا وضعنا العقد الأخير تحت المجهر دون روتوش ولا مجاملة، نرى بالعين المجردة ما تخفيه الأرقام الرسمية والشعارات الفارغة. فقد سجّلت أسعار المواد الغذائية في المغرب ارتفاعاً بلغ ستة عشر بالمئة في شهر مارس وحده من عام 2023 وفق ما أعلنته المندوبية السامية للتخطيط. وكانت قد بلغت في ذروتها قرابة عشرة بالمئة بل وفوق 10 في بعض الفئات كالخضر والفواكه واللحوم. وعلى مدار سنة 2025 بأكملها، سجّل الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك ارتفاعاً سنوياً بلغ 12 في المئة.
في المقابل، تظل الزيادات في الأجر الأدنى القانوني المضمون رغم أهميتها السياسية والاجتماعية مجرد مسكنات على جرح ينزف بمعدل أسرع. والرقم الذي يُلخّص المأساة بعبارة واحدة هو ما أشارت إليه الدراسات الاقتصادية من أن مستوى المعيشة الحقيقي للمغاربة تراجع بمتوسط يفوق ثلاثة بالمئة سنوياً بين 2019 و 2025. بمعنى أبسط: الزيادة في الدخل تلتهمها الأسعار قبل أن تصل إلى جيب صاحبها. نعيش مفارقة مؤلمة: نكسب أكثر على الورق ونشتري أقل في الواقع.
الوسطاء: الحرب الخفية على الطريق بين الحقل والبيت
لا يُمكن الحديث بصدق عن غلاء المواد الغذائية في المغرب دون مواجهة ذلك الغول الصامت الذي يسكن سلاسل التوزيع: جيوش الوسطاء والسماسرة الذين يقتاتون على الهامش بين الفلاح والمستهلك دون أن يزرعوا حبة واحدة ودون أن يتحملوا مخاطر الجفاف ولا ضربات الصقيع. هؤلاء لا يُضيفون أي قيمة بل يُضيفون فقط طبقات من التكلفة. الكيلوغرام الواحد من الطماطم أو البطاطا يُضاعف ثمنه مرات في رحلة لا تستغرق أحياناً أكثر من ساعات، من الضيعة إلى سوق الجملة إلى بائع التقسيط إلى السوق الشعبي. وما بينهما من مرابح ليس نتاج عمل إنتاجي بل نتاج احتكار موضعي لقنوات توزيع لا تخضع لأي رقابة فعلية على أرض الواقع. ورقابة تكتفي بمطاردة بائع صغير في الشارع وتغضّ الطرف عن منظومات التوزيع الكبرى هي رقابة تُعالج الأعراض وتترك الداء يتجذّر.
الهند وسؤال السيادة الغذائية: حين تختار الحكومة المواطن على العملة الصعبة
كان الإعلان مفاجئاً ومثيراً للجدل في آنٍ واحد: في 2023 حين أحسّت الحكومة الهندية بأن ارتفاع أسعار الأرز والبصل في الأسواق الداخلية بدأ يُهدد الاستقرار الاجتماعي لمئات الملايين من الفقراء، لم تتردد في اتخاذ قرار سيادي مباشر: أوقفت تصدير الأرز غير البسمتي وفرضت قيوداً مشددة على البصل. القرار أثار احتجاجات دولية لأن الهند تُمثّل نحو أربعين بالمئة من صادرات الأرز العالمية، ما يعني أن قرارها رفع أسعاره عالمياً وأضر باقتصادات مستوردة عديدة. لكنها اختارت مع ذلك ووضحت دفاعها صراحةً أن أسرة الهندي الفقير لا تُساوم من أجل الفوز بعملة صعبة. هذا الموقف يضع أمامنا سؤالاً لم نُجب عنه في المغرب بعد بشكل صريح: في بلد يعاني من جفاف متواصل منذ عام تسعة عشر وألفين على الأقل، ويُصدّر خضر تستهلك كميات هائلة من الماء هل منطق التصدير الذي يجلب العملة الصعبة يعلو على منطق تأمين لقمة المواطن بأثمنة تناسب دخله؟ هذا ليس سؤالاً اقتصادياً تقنياً إنه سؤال سياسي يحتاج شجاعة الإجابة العلنية.
حتى في أحلامه لن يسمع المواطن المغربي أن الحكومة أوقفت تصدير البصل إلى مالي أو البطاطس إلى موريتانيا أو البرتقال للاتحاد الأوروبي حتى تنخفض الاسعار
منظمة الأغذية والزراعة تقول ما لا يُقال في البلاغات الرسمية
منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، في تقاريرها المتعاقبة حول الأمن الغذائي في البلدان متوسطة الدخل، لا تُعرّف الأزمة بنقص الإنتاج وحده بل تُضيف إليه غياب منظومة توزيع عادلة وضعف شبكات الحماية الاجتماعية وانعدام التدابير الهيكلية التي تحمي الأسر الهشة من صدمات الأسعار. بعبارة أخرى: المشكلة ليست في الأرض ولا في السماء، بل في الطريق الطويل بين الحقل والمائدة وعدد السماسرة والشناقة ونصيب كل واحد منهم من كعكة المواطن
المغرب يملك إنتاجاً زراعياً حقيقياً وموارد بشرية في القطاع تجعله في وضع أفضل من دول كثيرة. ما ينقصه ليس البذرة بل السياسة: رؤية تضع الأمن الغذائي الداخلي في صدارة الأولويات لا هامشها، وتجرؤ على التدخل حين تفشل السوق في حماية المستهلك من سطوة الاحتكار والوساطة
مخططات الاقلام الملونة
الاستقرار الاجتماعي لا يُصنع بالخطب ولا بالبلاغات. يُصنع كل صباح في تلك اللحظة التي يرجع فيها رب الأسرة حاملاً قفته وفي عينيه شيء من الاطمئنان أو الضيق. حين تمتلئ القفة بما يكفي وبما يناسب الجيب يصمد السلم الاجتماعي. وحين تخفّ القفة ويثقل الحساب تبدأ الفجوة بين المواطن والدولة تتسع في صمت أخطر من كل صخب.
نحتاج تغيير السياسات وطريقة تفكير السياسيين بل وحتى تغيير وجوههم وليس تغيير أسماء المخططات من أخضر وأزرق إلى بنفسجي.