الأخبار
الصحفي المواطن: ثورة أم فوضى؟
في الثاني والعشرين من فبراير 2023، قبل أن تصل أي كاميرا تلفزيونية إلى موقع انهيار عمارة سيدي علي بن حمدوش في الدار البيضاء، كانت مقاطع مصوّرة بهواتف السكان قد طافت المجموعات الإلكترونية وبلغت عشرات الآلاف من المشاهدات. لم يكن ذلك استثناءً. بات هذا هو القاعدة.
في الثاني والعشرين من فبراير 2023، قبل أن تصل أي كاميرا تلفزيونية إلى موقع انهيار عمارة سيدي علي بن حمدوش في الدار البيضاء، كانت مقاطع مصوّرة بهواتف السكان قد طافت المجموعات الإلكترونية وبلغت عشرات الآلاف من المشاهدات. لم يكن ذلك استثناءً. بات هذا هو القاعدة.
نحن أمام ظاهرة تستحق أن نقف عندها طويلاً، لا أن نمرّ بها مرور الكرام: المواطن العادي — الباعة، الطلاب، السائقون — صار مصدراً أوليًا للخبر. وهاتفه المحمول، بكاميرته وإنترنته، بات غرفة إخبارية مصغّرة لا تنام.
لكن هل هذا التحوّل نعمة أم نقمة؟
القوة التي لا يمكن إنكارها
حين ضرب زلزال الحوز في سبتمبر 2023، وصلت أولى الصور الحقيقية من قرى جبال الأطلس عبر هواتف ناجين لا عبر مصوّرين محترفين. أمّاتٌ تبكي تحت أنقاض جدران بنيت بالطين، ورجال يحفرون بأيديهم العارية — تلك المشاهد هزّت الضمير العالمي قبل أن تفيق وكالات الأنباء من نومها.
في هذا السياق، تكشف دراسات منظمة « Reporters Without Borders » أن أكثر من 70 بالمئة من الأحداث الكبرى في أفريقيا وآسيا خلال السنوات الأخيرة وصلت إلى وسائل الإعلام الدولية أولاً عبر محتوى مُنتَج من مواطنين عاديين. الرقم مذهل، وهو يعني شيئًا بسيطًا: لو انتظرنا الصحافة التقليدية وحدها، لضاعت قصص بأكملها.
بل إن بعض الحكومات باتت تتصرف فقط حين يصل توثيق المواطن إلى حدود التوّهج الرقمي. الفيديو لا يكذب — أو هكذا كنا نظنّ.
الوجه الآخر: حين تتحوّل الشهادة إلى سلاح
في 2024، انتشر في المغرب مقطع مصوّر يُدّعى فيه أن حادثة أمنية خطيرة وقعت في إحدى المدن الكبرى. حشود في واتساب. مقاطع تتكاثر وتتناسل. ثمّ جاء التفنيد: الصورة ملتقطة في بلد آخر، والصوت مُضاف في ما بعد. لم يكن الأمر خطأً، بل كان تضليلاً مقصودًا.
هذا هو الجانب الآخر من الثورة. إذ لا يوجد في صحافة المواطن مكتب للتدقيق، ولا مسؤولية قانونية مباشرة، ولا غرفة أخبار تتحقق قبل النشر. ما يوجد هو سرعة، ورغبة في المشاركة، وأحيانًا — في الحالات الأشدّ خطورة — نيّة مبيّتة للإلهاء والتضليل.
يكشف تقرير مؤسسة « First Draft » المتخصصة في مكافحة المعلومات المضلّلة، أن ما يُسمى بـ »أخطاء المواطنين » في توثيق الأحداث تُنتج في 40 بالمئة من الحالات دورةً إعلاميةً كاملة قبل أن يُكتشف الخطأ — مما يعني أن الكذبة تجري وتتكاثر في حين الحقيقة لا تزال تنتعل حذاءها.
تجارب دولية في التأطير
لم يستسلم العالم لهذه الفوضى. في كوريا الجنوبية، أطلقت هيئة الإعلام برنامجاً لتدريب « الصحفيين المواطنين » على مبادئ التحقق الأساسية، وباتت بعض محطاتهم تعتمد بروتوكولاً صارماً يُلزم بتأكيد المحتوى المواطني من مصدرين على الأقل قبل بثّه. في فرنسا، أفرزت القناة الإخبارية « BFM TV » فريقاً داخلياً لا يفعل شيئًا سوى التحقق من محتوى وسائل التواصل.
أما في المغرب، فالمشهد لا يزال ضبابيًا. غرف الأخبار المحلية تتعامل مع محتوى المواطنين بطريقة عشوائية — أحيانًا تنشر مباشرة، وأحيانًا تتجاهل، وفي الأحيان الأخرى تُراهن على أن غيرها سيتحمّل المسؤولية أولاً. لا سياسة تحريرية واضحة، ولا ميثاق مهني يُؤطّر هذه المساحة الرمادية.
السؤال الحقيقي: هل الحل في التدريب أم في القانون؟
ثمة مدرستان في هذا النقاش. الأولى ترى أن الحلّ تثقيفي بامتياز: تعليم التفكير النقدي في المدارس، ونشر أدوات التحقق كـ »Google Reverse Image Search » و »InVID » في متناول الجميع. المدرسة الثانية أكثر تشاؤمًا: تقول إن التضليل لن يتوقف دون رادع قانوني حقيقي، وأن الإفلات من المساءلة هو وقود هذه الأزمة.
الحقيقة، كما في أغلب الأحيان، تسكن في المنتصف. المواطن الذي وثّق انهيار البناية أو مآسي الزلزال فعل شيئاً جوهرياً لا يجوز إسكاته بذريعة الخطأ. لكن من أطلق الشائعة وزرع الذعر لا يستحق حماية حرية الصحافة، لأنه ليس صحفيًا: إنه ناشر للضرر.
في نهاية المطاف، ليست صحافة المواطن ثورة خالصة ولا فوضى مجرّدة. إنها مرآة للمجتمع: بتناقضاته، وشجاعته، وأحيانًا بأسوأ ما فيه. والسؤال ليس كيف نُلجمها، بل كيف نرويها بمسؤولية.
📚 المصادر:
← Reporters Without Borders — World Press Freedom Index