رياضة
كرة القدم المغربية: ثروة بشرية ضائعة أم نظام اكتشاف فاشل؟
قبل أن يكون أشرف حكيمي نجمًا في باريس سان جيرمان، كان طفلاً يُسكن قلقًا حقيقيًا في نادٍ إسباني التقط ما أخفق في التقاطه الجميع. قبل أن يُصبح حمد الله صائد أهداف، كان يتدرّب في ملاعب غير مرقّبة في أحياء لا تصلها مكيّفات ولا منح. وقبل أن يجعل أسد الأطلس العالم يقف مبهوتًا في مونديال قطر 2022، كانت ثرثرة النخبة الرياضية تُشكّك في جدية الكرة المغربية.
سؤال واحد يُلحّ منذ سنوات ولا يجد جوابًا واضحًا: كيف يُنتج المغرب هذا الكمّ من النجوم للخارج، ويظل دوريه المحلي باهتًا كشاشة متعطّلة؟
المواهب تولد في الأزقة وتموت في الدوري
لا تحتاج إلى دراسة معمّقة لتكتشف المفارقة. في أحياء درب سلطان ووداد فاس وحي لحريزي بالمحمدية، يلعب أطفال في الثانية عشرة من أعمارهم بمهارة تُذهل. يتحكّمون في الكرة بقدمين عاريتين على أرض وعرة، ويُخترعون مراوغات لا يُعلّمها أي مدرّب. هذا مخزون هائل من الاستثنائي البشري.
لكن ماذا بعد؟ غالبًا لا شيء. إما أكاديمية لا تتسع لكل الطلبات، أو أسرة لا تملك تكاليف التسجيل، أو مدرّب جهوي يفتقر إلى التكوين الكافي لاكتشاف الموهبة الخام وصقلها.
وفق التقرير الأخير للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، يُوجَد في المملكة ما يزيد على 3600 ناد رياضي، لكن الأندية ذات البنية التحتية الفعلية من ملاعب اصطناعية ومراكز طبية وأجهزة تقنية لا تتجاوز 80 ناديًا. والهوّة بين هذين الرقمين هي بالضبط المكان الذي تضيع فيه آلاف المواهب كل موسم.
مونديال 2030: فرصة تاريخية بدون ضمانات
الملف مثير للقلق الحقيقي، لا الشعبوي، حين تعلم أن المغرب يستضيف كأس العالم 2030 رفقة إسبانيا والبرتغال وبعض المباريات في دول أفريقية أخرى. المشروع الاستثماري في الملاعب والبنية التحتية الكبرى واضح وضوحًا معقولاً. لكن السؤال المُزعج: هل سيصبّ هذا في خدمة الكرة المحلية الأساسية، أم أن المستفيد الأكبر سيكون النادي الأوروبي الذي سيستمر في انتزاع أفضل ما ينتجه المغرب؟
الباحث في علم الاجتماع الرياضي كريم بنجلون يُلاحظ في إحدى دراساته أن « البنية الاقتصادية للدوري المغربي لا تستطيع تنافسية الاحتفاظ بالنجوم لأن الرواتب لا تُقارَن بعروض أوروبا ». الأمر ليس مؤامرة، إنه منطق السوق — لكن نتيجته مؤلمة: الدوري الوطني يُربّي اللاعبين لحساب غيره.
ماذا تقول التجارب الناجحة؟
الأجدر بالدراسة هو النموذج الإيفواري في التسعينيات، والغاني في مطلع الألفية الثالثة. أفريقيا التي صنعت ديدييه دروغبا وأسامواه غيان لم تكن أغنى من المغرب، لكنها استثمرت بذكاء في الأكاديميات بشراكة مع أندية أوروبية، وفي التكوين التقني المستمر للمدرّبين المحليين. النتيجة كانت نهضة كروية لا ارتجالاً.
المغرب يملك كل المقومات: الموهبة البشرية، والاستثمار القادم مع المونديال، والتجربة الدولية التي راكمها جيل 2022. ما ينقصه ليس الحلم، بل إرادة سياسية رياضية تضع الكرة القاعدية قبل الكرة المتلفزة. وأولى الخطوات؟ أن يُسمع صوت المدرّب الذي يعمل في الأحياء الشعبية، لأنه يعرف الكنز الحقيقي — ويعرف أيضًا لماذا يُهدَر.
📚 المصادر: