مقالات رأي
أسرار كارثة الرحلة 630 للخطوط الملكية المغربية
في مساء يوم 21 غشت 1994، وكان ذلك اليوم يصادف عيد المولد النبوي الشريف، كنت في مطار محمد الخامس بالنواصر، قرب الدار البيضاء، برفقة عائلتي. لم يكن وجودي هناك أمرا عابرا بالنسبة لطفل مفتون بالطيران. فقد كان والدي حفظه الله، يصطحبني بين الحين والآخر إلى المطار فقط لأتأمل الطائرات وهي تقلع وتهبط، في زمن كانت فيه المطارات أكثر بساطة، وأقل توترا، ولم تكن بعد قد خضعت لكل تلك الاحتياطات الأمنية الصارمة التي ستصبح لاحقا جزءا من يوميات السفر.
كانت هناك منصة مفتوحة للعموم، تسمح للزوار بمشاهدة المدرج وحركة الطائرات. وبالنسبة لي، كانت تلك المنصة أقرب إلى مسرح كبير، أتابع منه عروضا لا تنتهي. وكانت ذروة المتعة أن تظهر “ملكة السماء”، البوينݣ 747، بإقلاعها المهيب أو هبوطها الثقيل الجميل، كأنها كائن أسطوري يلامس الأرض ثم يغادرها في وقار.
بعد السابعة مساء بقليل، وبينما كنا نهم بالمغادرة، تغير كل شيء فجأة.
في بهو المطار، سقطت امرأة أرضا مغشيا عليها. ارتفع الصراخ، وبدأ الناس يتجمهرون حول أحد المسؤولين، كان يحمل جهاز إرسال في يده، وتبدو على وجهه علامات الذهول والحيرة. لم نكن نعرف ما الذي حدث، لكننا شعرنا جميعا أن خبرا ثقيلا وصل للتو.
بعد دقائق، عرفنا أن السيدة التي أغمي عليها كانت تنتظر والدها القادم من أݣادير على متن رحلة للخطوط الملكية المغربية، بطائرة من نوع ATR-42، كان يفترض أن تصل إلى مطار محمد الخامس حوالي السابعة والنصف مساء. لكنها لم تصل. فقد تعرضت لحادث وسقطت في نواحي أمسكرود، قرب أݣادير.
كان الخبر صادما. لم يكن الناس في المغرب قد ألفوا سماع أخبار من هذا النوع. سقوط طائرة كان يبدو شيئا بعيدا، يحدث في نشرات الأخبار العالمية، لا في سمائنا نحن. وكانت آخر كارثة جوية حاضرة في الذاكرة قد وقعت قبل تسعة عشر عاما، حين سقطت طائرة مستأجرة كانت تقل عمالا مغاربة من فرنسا إلى المغرب لقضاء عطلة عيد الأضحى بين عائلاتهم. وللمصادفة المؤلمة، وقع ذلك الحادث أيضا قرب أݣادير.
لم يعلن الإعلام العمومي عن كارثة الرحلة 630 إلا في اليوم الموالي، بعد التأكد من المعطيات ومن وفاة جميع من كانوا على متن الطائرة، وعددهم 44 شخصا. بعدها بدأت التحقيقات بمشاركة وزارة النقل المغربية، ومكتب التحقيق والتحليل الفرنسي لحوادث الطيران BEA، وشركة ATR الفرنسية الإيطالية المصنعة للطائرة المنكوبة.
منذ ذلك الوقت، كُتب الكثير عن هذه الكارثة، خصوصا في السنوات الأخيرة، مع عودة الاهتمام بها في الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي. غير أنني لاحظت أن أغلب ما يعاد تداوله لا يقدم جديدا، بل يكرر الروايات نفسها، وأحيانا يضيف إليها أخطاء واضحة. لذلك كتبت هذا المقال، لا لأنني أزعم امتلاك الحقيقة النهائية، بل لأنني عشت لحظة من لحظات تلك الليلة، وكنت، رغم صغر سني، متابعا شغوفا بالطيران، أقرأ كل ما يقع بين يدي من جرائد ومجلات، وأحاول منذ ذلك الوقت أن أفهم ما حدث.
أول خطأ يتكرر في بعض المقالات الحديثة يتعلق بمساعدة قائد الطائرة. يقال أحيانا إنها أجنبية تدعى صوفيا فوغيغي، والحقيقة أنها مغربية من الرباط، اسمها صوفيا فيݣيݣي. كانت خريجة المدرسة الوطنية لربابنة الجو ENPL التابعة للخطوط الملكية المغربية، وكان عمرها عند وقوع الحادث 26 سنة فقط.
حسب ما خلص إليه التحقيق الرسمي، فإن الحادث كان عملا انتحاريا. فبعد أن وصلت طائرة ATR-42 التابعة للخطوط الملكية المغربية، الرحلة 630، إلى ارتفاع الطيران المستقر، قام قائد الطائرة يونس خياطي 32 سنة، بتعطيل الطيار الآلي بشكل مفاجئ، ثم وجه مقدمة الطائرة نحو الأسفل، وبدأت الطائرة تهوي في اتجاه جبال الأطلس الصغير.
بحسب ما نشر في الصحافة المغربية آنذاك من تسريبات من تسجيلات الصندوق الأسود، حاولت الربانة المساعدة صوفيا فيݣيݣي تنبيه قائد الطائرة يونس خياطي إلى أن الوضع غير طبيعي. سألته أكثر من مرة، بما معناه:
“ماذا تفعل أيها القائد؟”
“Commandant! Qu’est-ce que vous faites ?”
لم يكن الأمر، على ما يبدو، مجرد تنبيه تقني عابر. فقد أدركت تدريجيا أن قائد الطائرة ليس في وضع طبيعي. حاولت رفع أنف الطائرة باستعمال مقودها، لكن قوة القائد كانت أكبر، ولم تتمكن من استعادة السيطرة. ثم حاولت الاتصال ببرج المراقبة في أݣادير، غير أن نداءها الأخير انقطع قبل أن تكتمل الجملة:
“Agadir…
Mayday! Mayday!
Royal Air Maroc 630…
Le commandant est en train de…”
ثم انتهى كل شيء.
اصطدمت الطائرة بأقصى سرعة تقريبا بسفح أحد جبال الأطلس الصغير، قرب دوار إيزونين، جماعة أمسكرود، في نواحي أݣادير.
الأكثر مأساوية في ما نسب إلى التسجيلات أن قائد الطائرة يونس خياطي لم يكن يتكلم تقريبا أثناء سقوط الطائرة، باستثناء كلمتين ترددتا ببرود مخيف:
“الموت… الموت.”
“mourir… mourir.”
غير أن هذه الخلاصة الرسمية لم تقنع الجميع.
فجمعية ربابنة الطائرات المغاربة، وهي نقابة تدافع عن مصالح الطيارين، رفضت نتائج التحقيق بشكل قاطع. وأجرت، حسب ما نشر آنذاك، تحقيقا داخليا حول الطيار يونس خياطي، خلصت فيه إلى أنه لم يكن يعاني من اضطرابات نفسية معروفة، وأن سجله الطبي والنفسي كان سليما ومحينا، كما أن الفحوصات الدورية التي يخضع لها الربابنة لم تكشف أي خلل في قدرته النفسية أو الجسدية على الطيران.
لكن شهادات بعض زملائه فتحت بابا آخر للتأويل. فقد كان يونس خياطي خارجا لتوه من تجربة طلاق، وهي تجربة قيل إنها أثرت فيه، وإن كان مقربون منه يؤكدون أنه تجاوزها. بل إنه كان قد اشترى منزلا جديدا، وكان في تلك الفترة منشغلا بتجهيزه، وهو ما اعتبره البعض دليلا على أنه لم يكن يفكر في إنهاء حياته.
في المقابل، تداولت الصحافة في تلك الفترة فرضية أخرى، مفادها أنه كان على علاقة عاطفية بمساعدة الطيار صوفيا فيݣيݣي، وأنه رغب في الزواج منها بعد طلاقه، لكنها رفضت عرضه، فقرر أن ينهي حياتهما معا بتلك الطريقة المروعة. غير أن هذه الفرضية، مثل غيرها، بقيت في حدود ما تداولته الصحافة والشهادات غير الرسمية، ولم تتحول إلى حقيقة موثقة بشكل قاطع.

وتزداد القصة غموضا مع معطيات أخرى ظلت تلاحق الحادثة. من بينها ما قيل عن أن صوفيا فيݣيݣي لاحظت قبل الإقلاع وجود إنذار يخص أحد أبواب الطائرة، إذ كان ضوء التحذير مضاء، بما قد يوحي بأن الباب لم يغلق كما ينبغي. وحسب هذه الرواية، طلبت من القائد التحقق من الأمر وإعادة إجراء فحص ما قبل الإقلاع، لكنه اعتبر أن الأمر قد يكون مجرد عطل في زر الإنذار، وأن الباب مغلق فعلا، فقرر مواصلة الرحلة والإقلاع.
هذا التفصيل، إن صح، يفتح سؤالا مهما: هل كان هناك بالفعل مشكل تقني في الطائرة؟ أم أن الأمر كان مجرد إنذار خاطئ لا علاقة له بما حدث لاحقا؟
ثم هناك شهادات بعض سكان دوار إيزونين، قرب مكان التحطم، الذين قالوا إنهم شاهدوا الطائرة مشتعلة قبل سقوطها. كما أن صورة متداولة للحادث تظهر جزءا خلفيا من الطائرة، أو ما يشبه الجناح الخلفي، منفصلا وملقى بعيدا نسبيا عن موقع الارتطام. وقد رأى بعض المتابعين والخبراء أن هذا المعطى لا ينسجم بسهولة مع فرضية إسقاط الطائرة عمدا نحو الأرض، لأن الاصطدام المباشر بسرعة كبيرة يفترض، حسب رأيهم، أن يترك حفرة كبيرة وأن يدمر معظم الأجزاء بفعل قوة الارتطام وحرارة احتراق الوقود.
غير أن حوادث الطيران معقدة، وما يبدو للعين دليلا قاطعا قد يكون، في التحليل التقني، قابلا لأكثر من تفسير. فتمزق أجزاء من الطائرة قبل أو أثناء الاصطدام، وطبيعة التضاريس، وزاوية الارتطام، وسرعة الطائرة، وحالة الوقود، كلها عوامل قد تغير شكل الحطام. ولهذا تحديدا لا يمكن حسم الأمر من الصور أو الشهادات وحدها.
بعض المتقاعدين من الخطوط الملكية المغربية الذين ارتبطوا بالحادث، صرحوا في السنوات الأخيرة، بأن الرواية الرسمية ليست كل الحقيقة، وأن معطيات مهمة جرى إخفاؤها. لكن، في غياب نشر التقرير النهائي الكامل للرأي العام، بقيت هذه الأقوال معلقة بين الشهادة والشك، وبين الذاكرة والاتهام.
وفي خضم هذه الأسئلة التقنية والجنائية، لا ينبغي أن ننسى أن الرحلة 630 لم تكن مجرد ملف تحقيق، بل كانت أرواحا وأسماء وعائلات.
من بين الضحايا كانت أميمة السايح، وهي أول امرأة مغربية تحصل على رخصة قيادة طائرة تجارية، إلى جانب بشرى البرنوصي، أول مغربية قائدة لطائرة بوينݣ 747. لم تكن أميمة السايح ضمن طاقم الرحلة ذلك اليوم، بل كانت راكبة فقط، أو ما يعرف في عالم الطيران بـ “deadhead pilot”، أي طيار يسافر كراكب للالتحاق برحلة أخرى سيقودها لاحقا من مطار آخر. كانت متجهة إلى الدار البيضاء لتواصل عملها، لكن الرحلة لم تصل أبدا.
ومن بين الضحايا أيضا الأمير الكويتي علي الحمود الجابر الصباح، ابن عم أمير الكويت، وزوجته. وقد ارتبط اسمهما بواحدة من أكثر القصص غرابة في هذه الكارثة.
كان الأمير في رحلة خاصة إلى أݣادير، قبل أن يتلقى استدعاء عاجلا للعودة إلى الكويت من أجل تولي منصب مهم. وكان عليه أن يصل إلى الدار البيضاء بأي طريقة، ليركب منها رحلة أخرى نحو الكويت العاصمة. غير أن رحلة أݣادير ـ الدار البيضاء كانت محجوزة بالكامل. وبسبب مكانته وضغط الاتصالات، قام موظفو الخطوط الملكية المغربية بإلغاء تذكرتي زوجين مغربيين ومنح مقعديهما للأمير وزوجته.
احتج الزوجان في مطار أݣادير المسيرة بشدة. صراخ وغضب وشتائم، لأنهما أُبعدا من الرحلة بقرار لم يكن عادلا في نظرهما. لكن بعد أقل من نصف ساعة، وصل خبر سقوط الطائرة. عندها أغمي عليهما. وحين استفاقا، تحول الغضب إلى فرح ممزوج بالذهول، وشرعا في تقبيل موظفي الشركة الذين كانا يلعنانهم قبل قليل. هكذا، في لحظة واحدة، يمكن أن يتبدل معنى الظلم في عين الإنسان، وأن يتحول المقعد المسلوب إلى نجاة من موت محقق.
أما يونس خياطي، قائد الطائرة، فقد بقي اسمه عالقا بين روايتين متناقضتين: رواية رسمية تقدمه باعتباره المسؤول عن كارثة انتحارية، ورواية اجتماعية وإنسانية يستحضرها جيرانه ومعارفه في القنيطرة، حيث يتذكرونه شابا خلوقا محبوبا، سخيا مع والديه وأبناء الجيران، يحمل لهم الهدايا كلما عاد إلى مسقط رأسه. كان والده، العربي الخياطي، رجل تعليم، وقد قيل إنه لزم العزلة بعد وفاة ابنه، مثقلا ليس فقط بفاجعة الفقد، بل أيضا بثقل الاتهام الذي التصق باسم الابن.

وهنا تكمن قسوة هذه الحادثة. فهي لم تقتل ركابا فقط، بل تركت وراءها عائلات تعيش بين الحزن والوصمة، وبين الحاجة إلى الحقيقة والخوف منها.
إلى اليوم، ما دام التقرير النهائي الكامل لم ينشر للرأي العام، ستظل الأسئلة معلقة.
هل كان ما حدث فعلا انتحارا ارتكبه قائد الطائرة في لحظة انهيار نفسي لم تكشفها الاختبارات الطبية الدورية؟
هل كان هناك خلل تقني جدي في الطائرة، وتم تحميل المسؤولية للطيار حفاظا على مصالح مشتركة بين شركة الطيران والشركة المصنعة؟
هل كانت هناك معطيات سياسية أو دبلوماسية مرتبطة بوجود الأمير الكويتي على متن الرحلة؟
أم أن الحقيقة، كما يحدث غالبا في كوارث الطيران، أكثر تعقيدا من فرضية واحدة، وأشد التباسا من جواب نهائي بسيط؟
سنوات بعد ذلك، سيصدم العالم بحادثة رحلة Germanwings، حين استغل الطيار الألماني أندرياس لوبيتز خروج قائد الطائرة إلى المرحاض، فأغلق باب قمرة القيادة، ووجه طائرة إيرباص A320 نحو أحد جبال الألب الفرنسية، في سيناريو يشبه، إلى حد مخيف، ما قيل إنه حدث في رحلة الخطوط الملكية المغربية 630. أعادت تلك الحادثة إلى أذهان كثيرين سؤالا قديما: هل يمكن لإنسان واحد داخل قمرة القيادة أن يحول طائرة كاملة إلى قبر جماعي؟
لكن الفرق أن حادثة Germanwings عرفت نقاشا عالميا واسعا، ونشرت حولها تفاصيل كثيرة، وتغيرت بعدها بعض قواعد السلامة في قمرة القيادة. أما كارثة الرحلة 630، فبقيت في المغرب محاطة بصمت طويل، وبملف لم يغلق في وجدان الناس، حتى إن قيل إنه أغلق إداريا.
ربما لهذا تعود القصة كل بضع سنوات. ليس فقط لأنها مأساوية، بل لأنها لم تُروَ كاملة. والقصص التي لا تروى كاملة لا تموت. تظل تطفو على سطح الذاكرة، كلما ظهرت شهادة جديدة، أو صورة قديمة، أو تدوينة لمتقاعد، أو مقال يحاول أن يلملم شظايا ما حدث.
في النهاية، لا أملك الحقيقة النهائية. أملك فقط ذاكرة طفل كان في مطار محمد الخامس تلك الليلة، رأى امرأة تسقط مغشيا عليها قبل أن يفهم معنى الكارثة، ثم كبر وهو يحمل في داخله أسئلة لم تجد جوابا كاملا.
رحم الله ضحايا الرحلة 630 جميعا، أولئك الذين لا تزال أشلاؤهم ترقد في مقبرة إحشاش بأݣادير، في ثلاثة قبور خصصت بحسب الديانات، حتى تتمكن عائلاتهم من زيارتهم والترحم عليهم.
ورحم الله كل من صعد تلك الطائرة وهو يظن أنها رحلة قصيرة بين أݣادير والدار البيضاء، فإذا بها تتحول إلى واحدة من أكثر صفحات الطيران المغربي غموضا وإيلاما.
