lemaghrib.com المغرب والمغاربة
Connect with us

الأخبار

الإقتصاد العشوائي: لماذا نجحت الهند والبرازيل وفشل المغرب؟

ثمانون بالمئة من العمال المغاربة يشتغلون خارج أي غطاء قانوني أو اجتماعي هذا ما تقوله منظمة العمل الدولية في تقاريرها. لكن الهند والبرازيل أثبتتا أن الحل ليس في الملاحقة والزجر، بل في جعل الانخراط في الاقتصاد الرسمي أسهل وأوفر. فهل يجرؤ المغرب على الذهاب حتى النهاية؟

Published

on

الإقتصاد العشوائي: لماذا نجحت الهند والبرازيل وفشل المغرب؟

يكفي أن تستفيق باكراً في أي سوق شعبي من درب السلطان بالدار البيضاء إلى حي سيدي يوسف بن علي بمراكش، من سوق الحضرة بوجدة إلى أسواق تطوان القديمة حتى تجد نفسك أمام مشهد لا تراه في أي تقرير حكومي ولا في أي إحصاء رسمي. رجل يصلح محركات في دكان لا لافتة عليه، امرأة تبيع الخضر والنعناع منذ الفجر بلا بطاقة مهنية ولا سجل تجاري، شاب يقود سيارته كسائق غير مرخص وهو يعرف المدينة أفضل من أي خريطة. هؤلاء لا يظهرون في الناتج الداخلي الخام ولا في إحصاءات التشغيل ولا في أرقام وزارة المالية. موجودون في وضح النهار، لكنهم غائبون تماماً على الورق. هذا هو الاقتصاد الموازي. لا يختبئ في الخفاء، بل يعيش أمام أعيننا كل يوم. وحجمه أثقل مما يُريح الاعتراف به.


أرقام تُقلق من يفهمها

يُقدّر المندوب السامي للتخطيط حجم هذا الاقتصاد بين ثلاثين وأربعين بالمئة من الناتج الداخلي الخام المغربي. وقد ذهب صندوق النقد الدولي في دراسة شاملة إلى تثبيته عند قرابة أربعة وثلاثين بالمئة في المتوسط خلال الفترة الممتدة بين عامَي 1991 و2015. أما منظمة العمل الدولية وهي أكثر المرجعيات صرامةً في هذا الملف فقد وصلت إلى رقم أكثر قسوةً: ثمانون بالمئة من إجمالي التشغيل في المغرب يقع داخل القطاع غير الرسمي. ثمانون بالمئة. أي أن أربعة من كل خمسة عمال مغاربة يشتغلون يوميا دون أي عقد عمل عقد، دون ضمان صحي، دون تقاعد، دون أي درع قانوني يحميهم حين تضربهم الحياة. هذه ليست أرقاماً تقنية باردة تستريح في تقارير المختبرات الاقتصادية. هذه حياة ملايين الأسر المغربية التي تُطعم أبناءها من دخل لا تضمنه الدولة ولا يعترف به القانون.


جذور لا تُقتلع بجرة قلم

لم ينشأ هذا الاقتصاد من فراغ أيديولوجي، ولم يُفرز من رحم الكسل أو التهرب الخالص. هو ابن شرعي لتراكمات طويلة: بطالة مزمنة تضرب الشباب في مقتل، وتعليم لم يُوصل أصحابه إلى سوق عمل رسمية تستوعبهم، وبنوك تشترط ضمانات لا يملكها من لا يملك شيئاً أصلاً. وحين يكتشف الشاب أن فتح مقاولة صغيرة يستلزم أشهراً من الجري خلف الإجراءات البيروقراطية وآلاف الدراهم من المصاريف وزيارات لا تنتهي لدوائر تتعامل مع المواطن كمشكلة وليس كفرصة يختار الطريق الأسهل: يشتغل في الظل بلا تعقيدات ولا التزامات ولا إزعاجات غير أن للاقتصاد الموازي وجهاً آخر أقل براءة وأكثر تعقيداً: شبكات التهريب التجاري والمنتجات المقلدة والتحايل الضريبي المنظّم من مقاولات تعمل رسمياً لكنها تُخفي شطراً مما تجني. هذان وجهان مختلفان لمشكلة واحدة، ولكن كل منهما يستدعي معالجة خاصة به.


ثمن يدفعه الجميع دون أن يشعر

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى وكأن ضرر الاقتصاد الموازي لا يطال إلا الدولة وخزينتها. لكن الحقيقة أوجع من ذلك بكثير. الدولة تخسر مليارات الدراهم سنوياً كانت ستُوجَّه نحو مدارس أفضل ومستشفيات في المناطق المهجورة وطرق تربط القرى النائية بالمدن. والمقاولة المنظمة التي تؤدي ضرائبها وتحترم قانون الشغل وتُسدّد الاشتراكات الاجتماعية تجد نفسها في منافسة مُجحفة مع من لا يتحمل شيئاً من هذه الأعباء، فيبيع أرخص ويربح أكثر وهو ما يُشبه الغش في سباق تنافسي يُفترض أن يكون نزيهاً. لكن الخسارة الأشد مرارةً تطال العامل نفسه في القطاع غير الرسمي. يعمل بلا تغطية صحية تحميه حين يمرض، بلا تقاعد يستحق الانتظار، بلا أي سند قانوني حين يُطرد من عمله بقرار فردي ظالم. هو يتحمل كل أعباء الحياة دون أن تحمله الدولة بأي أداة من أدواتها.


الهند: لما تُعطي الكرامة قبل القوانين

لنتوقف لحظة عند الهند الدولة التي تعرف أكثر من غيرها ما معنى أن يُسرق منك رزقك بضربة وباء. حين ضرب كوفيد-19 عام 2020 واجهت الهند معادلة مرعبة: مئات الملايين من الباعة المتجولين والحرفيين العاملين في القطاع غير الرسمي فقدوا مصدر دخلهم بين ليلة وضحاها. لا مدخرات تكفي، ولا بنك يقبلهم، والمرابون يقترحون قروضاً بفوائد جهنمية تُغرق من يقترضها قبل أن تُنجيه.  ردّ الحكومة الهندية لم يكن الزجر ولا المصادرة. كان جسراً أطلقت مخطط «سفانهندي » وهو اسم يعني حرفياً « صندوق رزقك الذاتي » الذي قدّم قروضاً صغيرة خالية من الضمانات لباعة الأرصفة والمتجولين، مقترنةً بدعم نسبة الفائدة وبحوافز مالية لمن اعتمد الدفع الرقمي. النتيجة لم تكن مجرد خروج من أزمة: أكثر من ستة وثمانين لاك بائع ما يوازي ما يزيد على ثمانية ملايين شخص استفادوا من القروض حتى اليوم، وصرفت الحكومة أكثر من أربعة عشر ألف مليار روبية في شكل قروض موظِّفة. لكن الأهم من الأرقام أن هؤلاء الذين كانوا غير مرئيين للبنوك أصبحوا اليوم يملكون سجلاً ائتمانياً ووجوداً رقمياً وهوية اقتصادية. كشفت دراسة أجراها بنك الدولة الهندي أن متوسط إنفاق المستفيدين السنوي ارتفع بثمانية وعشرين ألف روبية بعد الحصول على أول قرض. والأمر لا يتعلق بالمال فحسب بل بتحويل كائن اقتصادي هامشي إلى مواطن له وجود قانوني حقيقي داخل المنظومة الرسمية. الهند لا تزال بعيدة عن الكمال في هذا الملف، ويعلم المتخصصون ذلك. لكنها أثبتت أن السياسة الاجتماعية الذكية قادرة على أن تفعل ما تعجز عنه عشرات مراسيم المراقبة والزجر.


البرازيل: حين أصبح الرسمي أرحم من غير الرسمي

في أمريكا اللاتينية، حيث كان الاقتصاد غير الرسمي ينخر المجتمع بنسب تفوق سبعة وثلاثين بالمئة من الناتج الداخلي الخام في المتوسط، اختارت البرازيل مقاربةً مغايرة للحلول التقليدية القائمة على الردع والعقوبة. أطلقت نموذج « المقاول الفردي » نظام يمنح الوضع القانوني الكامل بإجراء رقمي واحد لا يستغرق دقائق، مقرون بضريبة شهرية رمزية لا تُثقل كاهل أحد. لم تُغرِ البرازيل عمالها غير الرسميين بالشعارات، بل جعلت الدخول إلى الاقتصاد الرسمي أسهل وأوفر من البقاء خارجه. النتيجة؟ انضم ملايين من العاملين في الظل إلى الاقتصاد الرسمي خلال سنوات قليلة، لأن المعادلة تغيرت جذرياً: لم يعد الخروج من الهامش تضحيةً، بل أصبح مكسباً.

المغرب حاول مساراً مشابهاً حين أطلق نظام المقاول الذاتي. لكن المشكلة لم تكن في الفكرة، بل في التنفيذ. لم يُبسَّط النظام بما يكفي، ولم يُسوَّق بما يكفي، ولم يُرافَق بتدابير دعم حقيقية تجعله جذاباً فعلاً لمن اعتاد الظل ووجد فيه ملاذاً آمناً من البيروقراطية. تجربة البرازيل لم تنجح في المغرب — لا لأن الفكرة خاطئة، بل لأن المقومات لم تُوفَّر كاملةً ولأن التواصل مع المستهدفين ظل قاصراً.


المعادلة التي لا يُجيب عليها أحد بصدق

خلاصة ما تقوله كل التجارب الدولية من تقارير منظمة العمل الدولية إلى أبحاث البنك الدولي بصوت واحد لا يُبدّل: مطاردة الاقتصاد غير الرسمي بالغرامات والمصادرات والحملات الأمنية لم تُدمج في التاريخ المعاصر قطاعاً غير رسمياً في الاقتصاد الرسمي بشكل مستدام. لم يحدث هذا في أي مكان. الحل الوحيد الذي نجح نجاحاً قابلاً للقياس هو جعل الرسمية أرخص وأسهل وأكثر نفعاً من العشوائي فيختار الناس طوعاً ما يُصلح أحوالهم. المغرب يملك الأدوات النظرية. لكنه لم يذهب بها إلى نهايتها. إرادة سياسية حقيقية مفقودة أو مؤجلة ومجرد وعود. وإصلاح إداري يُعالج الإجراءات البيروقراطية التي تُنفّر صغار العاملين من الدخول إلى الاقتصاد المنظم لم يتجرأ حتى الآن على المساس بجذورها. والنتيجة يعرفها كل من يصحو باكراً في سوق شعبي مغربي ويرى بأم عينه اقتصاداً بأكمله يعمل خارج الإطار لا لأن أصحابه يريدون ذلك، بل لأن أحداً لم يُقنعهم بعد أن داخل الإطار مكانٌ يستحق العناء