lemaghrib.com المغرب والمغاربة
Connect with us

طب وصحة

فيروس هانتا: الصامت القادم من الفئران الذي أعاد العالم إلى حالة الترقّب

في مطلع ماي 2026، وبينما كانت باخرة السياحة « هونديوس » تشقّ عباب المحيط الأطلسي في رحلة استجمام بدأت من الأرجنتين، كان الموت ينتشر بهدوء في أروقتها. ثلاثة مسافرين لقوا حتفهم، وعدد من الركاب دخلوا في حالات حرجة، قبل أن ينتهي المطاف بالسفينة إلى الوقوف بعيداً عن الشواطئ، ممنوعة من الرسو في موانئ الرأس الأخضر، في مشهد استدعى في الأذهان ذكرى سفينة « داياموند برنسس » في زمن كوفيد. المتهم هذه المرة: فيروس هانتا، وتحديداً سلالة « أنديز » الجنوب أمريكية، ذلك الكائن المجهري الذي يقبع في صمت في أمعاء الجرذان والفئران منذ عشرات الآلاف من السنين.

Published

on

فيروس هانتا

في مطلع ماي 2026، وبينما كانت باخرة السياحة « هونديوس » تشقّ عباب المحيط الأطلسي في رحلة استجمام بدأت من الأرجنتين، كان الموت ينتشر بهدوء في أروقتها. ثلاثة مسافرين لقوا حتفهم، وعدد من الركاب دخلوا في حالات حرجة، قبل أن ينتهي المطاف بالسفينة إلى الوقوف بعيداً عن الشواطئ، ممنوعة من الرسو في موانئ الرأس الأخضر، في مشهد استدعى في الأذهان ذكرى سفينة « داياموند برنسس » في زمن كوفيد. المتهم هذه المرة: فيروس هانتا، وتحديداً سلالة « أنديز » الجنوب أمريكية، ذلك الكائن المجهري الذي يقبع في صمت في أمعاء الجرذان والفئران منذ عشرات الآلاف من السنين.

لكن ما هو هذا الفيروس بالضبط؟ وكيف يصل إلى الإنسان؟ وهل نحن أمام تهديد حقيقي، أم أن الأمر مجرد موجة قلق عابرة؟

من نهر كوريا إلى المحيط الأطلسي: تاريخ قديم ووجه جديد

اكتُشف فيروس هانتا لأول مرة في خمسينيات القرن الماضي، خلال الحرب الكورية، حين أُصيب أكثر من ثلاثة آلاف جندي بأعراض شبيهة بالأنفلونزا الشديدة وصلت في بعض الحالات إلى نزيف داخلي. واستمد الفيروس اسمه من نهر « هانتان » الكوري، الذي شهدت ضفافه تلك الإصابات الأولى حسب المعهد الوطني الفرنسي للصحة والبحث الطبي (إنسيرم)

اليوم، تُشير منظمة الصحة العالمية إلى أن هذا الفيروس يتسبب في ما بين عشرة آلاف وما يزيد على مئة ألف إصابة سنوياً في العالم، مع تركّز النسبة الكبرى منها في آسيا وأوروبا. غير أنه بقي بعيداً عن دائرة الاهتمام الشعبي الواسع، مخبأً خلف أسمائه الطبية المعقدة وأرقامه الوبائية المحدودة — حتى الآن.

الفيروس وأسرته: عائلة متشعبة وخطيرة

ينتمي فيروس هانتا إلى عائلة من أكثر من خمسين نوعاً من الفيروسات، جميعها تصيب القوارض وتنتقل في بعض الحالات إلى الإنسان. عند القوارض، تستمر الإصابة عادةً دون أن تُسبب أعراضاً، وتنتشر بين الحيوانات عبر الهباء الجوي والإفرازات كالبول والبراز واللعاب والدم.

ويُميّز الباحثون بين نوعين رئيسيين: فيروسات العالم القديم، المنتشرة في أوروبا وآسيا، وفيروسات العالم الجديد، الموجودة في الأمريكتين، والتي تتسبب عموماً في أشكال أشد فتكاً من المرض. المصدر: معهد باستور لِيل وفي أوروبا، يُعدّ فيروس « بومالا » المحمول على ظهر الفأر الغابي الأكثر شيوعاً، بينما يبقى فيروس « أنديز » في أمريكا الجنوبية الأخطر على الإطلاق — وهو الذي يواجهه العالم اليوم على متن « هونديوس ».

كيف يصل الفيروس إلى الإنسان؟

هذا هو السؤال الجوهري الذي يُقلق السلطات الصحية في كل مرة يُثار فيها الحديث عن هانتا. والإجابة عنه تحتاج إلى دقة متناهية.

تنتقل فيروسات هانتا في الغالب إلى البشر بطريقة غير مباشرة، عبر استنشاق الغبار الملوّث ببراز وبول القوارض المصابة. وأحياناً تحدث العدوى عبر التماس المباشر مع الحيوانات أو لدغها. والأشخاص الأكثر عرضة هم أولئك الذين يعملون في الحقول أو الغابات أو في مناطق موبوءة بالقوارض، كمن يُنظّف مخازن مهجورة أو ينقل أكوام الحطب أو يمارس التخييم في البراري. ونادراً ما ينتقل هانتا من إنسان لآخر

بيد أن استثناءً واحداً بالغ الخطورة يُقلب المعادلة: فيروس أنديز هو الوحيد المعروف حتى الآن بقدرته على الانتقال من إنسان إلى آخر، وإن كان هذا الانتقال نادراً ويستلزم في الغالب تلامساً وثيقاً ومطوّلاً.وهذه بالذات هي الخاصية التي جعلت ما حدث على متن الباخرة يستدعي تحذيرات دولية.

الأعراض: حين يُشبه المرض الأنفلونزا ثم يُفاجئ بالأسوأ

تظهر الأعراض الأولى في الغالب بعد أسبوع إلى خمسة أسابيع من التعرض للعدوى. المصدر: المكتب الفيدرالي السويسري للصحة العامة وهذه الفترة الطويلة من الحضانة من أخطر ما يميز هانتا، إذ يمشي المريض بين الناس وهو يحمل الفيروس دون أن يُدرك ذلك.

تشمل الأعراض الأولى الحمى، والتعب الشديد، وآلام العضلات، والصداع، والدوخة، والقشعريرة، والغثيان، والقيء، والإسهال، وآلام البطن. ثم في المرحلة التالية — التي تأتي بعد أربعة إلى عشرة أيام — يظهر السعال وضيق التنفس وتراكم السوائل في الرئتين.

وتختلف شدة المرض باختلاف نوع الفيروس: فيروسات أوروبا وآسيا تُسبب ما يُعرف بـ »الحمى النزفية مع الفشل الكلوي« ، وتبلغ نسبة الوفيات فيها ما بين 1 و15 بالمئة. أما فيروسات الأمريكتين فتُفضي إلى « متلازمة الضائقة التنفسية » التي قد تصل نسبة الوفيات فيها إلى 50 بالمئة. المصدر: المكتب الفيدرالي السويسري للصحة العامة

الوضع الوبائي الراهن: قلق حقيقي لكن غير مذعور

شكّل حادثة « هونديوس » صدمة للمجتمع الصحي الدولي لا لأن الفيروس جديد، بل لأن ما جرى يكسر قاعدة راسخة.

بحلول الثامن من ماي 2026، أُحصي ثمانية حالات إجمالاً، ثلاثة منها أسفرت عن وفاة، بمعدل إماتة بلغ 38 بالمئة. وقد أكدت الفحوصات المختبرية أن ستة من هذه الحالات ناجمة عن فيروس أنديز. المصدر: منظمة الصحة العالمية — نشرة تفاصيل الوباء

على الصعيد الأشمل، أبلغت ثماني دول في منطقة الأمريكتين عام 2025 عن 229 حالة و59 وفاة، بمعدل إماتة يبلغ 25.7 بالمئة. وفي أوروبا، سُجّلت 1885 إصابة عام 2023، وهو أدنى معدل شهدته المنطقة منذ 2019. ا

كما شهدت الأرجنتين بين نهاية 2025 ومطلع 2026 ارتفاعاً ملحوظاً في الإصابات وصل إلى ما يقرب من 20 وفاة، ما دفع منظمة الصحة للقارة الأمريكية « باهو » في ديسمبر 2025 إلى إصدار تنبيه وبائي لبلدان مخروط الجنوب.

ومع ذلك، أكد المسؤول في منظمة الصحة العالمية كريستيان ليندماير أن هذا فيروس خطير لكنه يمسّ الشخص المصاب مباشرة، في حين يبقى الخطر على عامة الناس منخفضاً للغاية، مُضيفاً أن انتشاره لا يُقارن بكوفيد-19 بأي شكل.ة

العلاج والوقاية: نقطة ضعف علم الطب

هنا يكمن أحد أكبر مكامن القلق المشروع: لا يوجد حتى الآن لا لقاح ولا علاج مضاد للفيروس بشكل محدد، مما يجعل الوقاية الخيار الأمثل والأكثر فاعلية. المصدر: الموقع الإخباري للأمم المتحدة

ويقتصر العلاج المتاح على الرعاية الداعمة المبكرة وإحالة المرضى الحرجين إلى وحدات العناية المركّزة المتكاملة، مما يُحسّن بشكل ملموس حظوظهم في النجاة. المصدر: منظمة الصحة العالمية

أما على صعيد الوقاية، فتقوم على تقليص التعرض للقوارض وإفرازاتها: تهوية الأماكن المغلقة قبل تنظيفها، تجنّب نفض الأتربة الجافة المحتملة التلوث، ارتداء القفازات وأقنعة الوجه عند الضرورة، وإحكام إغلاق المباني أمام القوارض.: معهد باستور لِيل

مرض قديم يستدعي يقظة جديدة

ليس فيروس هانتا وبائيّاً جديداً يُطرق الباب فجأة، بل هو خصم قديم يذكّرنا دائماً بأن الطبيعة لا تُفاوض. ما حدث على متن « هونديوس » هو تحذير بلغة الأرقام: ثلاثة أشخاص دفعوا حياتهم ثمناً لاحتكاك بسيط بفيروس أقدم من التاريخ المكتوب.

ويُشدّد الباحثون على أن تحليل التسلسل الجيني للسلالة المُعزولة من الحادثة سيكون محورياً: إذا ثبت أن هذه السلالة اكتسبت قدرة أعلى على الانتقال البشري، فإن ذلك سيُغيّر تقييم الخطر المرتبط بهذا الفيروس على المستوى العالمي.: موقع لو غران كونتينان

في انتظار ذلك، تظل اليقظة الوبائية، ومراقبة المجتمعات التي تعيش في القرب من البيئات الطبيعية، والاستثمار في أبحاث اللقاحات والمضادات الفيروسية، أهم ما يمكن أن يُقدمه العلم في مواجهة هذا الصامت القادم من الفئران. المصدر: موقع لو غران كونتينان